أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

133

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

يجد من يسأل عنها من أهل الباطن ، فليسأله على حذر ، ويكون معه كالجالس مع العقرب والحية ، واللّه ما رأيت أحدا قط من الفقراء قرب منهم وصحبهم فأفلح أبدا في طريق الخصوص ، ويرحم اللّه أبا ذر الغفاري رضي اللّه تعالى عنه حيث قال : واللّه لا أسألهم دنيا ولا أستفتيهم عن دين انتهى . قال هذا في علماء الصحابة الأخيار رضي اللّه عنهم ، فما بالك اليوم حين اشتغلوا بجمع الدنيا وتزيين الملابس ، وتكبير العمائم ، وتحسين المآكل والمساكن والمراكب ، ورأوا ذلك سنة نبوية ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . وكان يحيى بن معاذ الرازي رضي اللّه تعالى عنه يقول لعلماء وقته : يا معشر العلماء دياركم هامانية ، ومراكبكم قارونية ، وأطعمتكم فرعونية ، وولائمكم جالوتية ، ومواسمكم جاهلية ، وقد صيرتم مذاهبكم شيطانية ، فأين الملة المحمدية ؟ ومما يتأكد النظر إليه في المصحوب الزهد في الدنيا ورفع الهمة عنها ، ولو قلّ عمله في الظاهر ، وإلى ذلك أشار بقوله : 45 - ما قلّ عمل برز من قلب زاهد ، ولا كثر عمل برز من قلب راغب . قلت : الزهد في الشيء هو خروج محبته من القلب وبرودته منه ، وعند القوم : بغض كل ما يشغل عن اللّه ، ويحبس عن حضرة اللّه ، ويكون أولا في المال . وعلامته : أن يستوي عنده الذهب والتراب ، والفضة والحجر ، والغنى والفقر ، والمنع والعطاء ، ويكون ثانيا في الجاه والمراتب . وعلامته : أن يستوي عنده العز والذل ، والظهور والخمول ، والمدح والذم ، والرفعة والسقوط ، ويكون ثالثا في المقامات والكرامات والخصوصيات . وعلامته : أن يستوي عنده الرجاء والخوف ، والقوة والضعف ، والبسط والقبض ، يسير بهذا كما يسير بهذا أو يعرف في هذا كما يعرف في هذا ، ثم يكون الزهد في الكون بأسره بشهود المكوّن ، وأمره ، فإذا تحقق المريد بهذه المقامات في الزهد أو جلّها كان عمله كله عظيما كبيرا في المعنى عند اللّه ، وإن كان قليلا في الحس عند الناس ، وهذا معنى